محمد أبو زهرة

4487

زهرة التفاسير

ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( 3 ) . المكث البقاء مع الاطمئنان وألا يكون نزاع قط ، وإنه دائم ما دامت السماوات والأرض كما قال تعالى : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . . . ( 107 ) [ هود ] . وقد خص سبحانه وتعالى بالذكر من إنذار العصاة إنذار الذين اتخذوا للّه ولدا ، فقال تعالى : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ( 5 ) . بعد إنذار عامة الكافرين العصاة من وثنيين وغيرهم خص الذين اتخذوا الولد ، وقالوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ؛ لأنهم لم يفهموا ذات اللّه ، ولا خواص الألوهية ، وأنها منافية للحوادث منافاة تامة ، وعبر سبحانه بقوله : قالُوا ، ولم يقل اعتقدوا ؛ لأنهم لا يؤمنون ومن اتبع الأوهام لا يؤمن بشيء ، ولا يعتقد اعتقادا جازما ، لأن الأوهام تساوره فتزلزل اعتقاده بل هو في ريب دائم مستمر ، وعبارة اتخذ اللّه ولدا ، فهم نسبوا الاتخاذ للّه ، وهي فرية على اللّه تعالى وتدل على عدم كماله سبحانه ؛ لأن اتخاذ الولدان يترتب عليه أمران باطلان لا يليقان بذات اللّه : الأمر الأول - مشابهته للحوادث ، وأن يكون للّه سبحانه نظير مثله ، لأن الولد مثيل أبيه ، فكيف يكون للّه تعالى شبيه ومثيل . الأمر الثاني - أنه ينبئ عن احتياج اللّه للولد لنصرته ، واللّه تعالى غنى حميد لا يحتاج لشئ ويحتاج إليه كل شئ سبحانه تعالى عما يقولون علوا كبيرا . ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، كلمة مِنْ هنا لاستغراق النفي ، أي ما لهم أي علم ، بل يرمون القول من غير تفكر ، ولا تدبر ، من سيطرة الأوهام التي أوجبتها الفلسفة التي قارنت تحريف النصرانية من مسيحية إلى وثنية متبعين الأفلاطونية